الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
230
نفحات القرآن
وربمّا تغطي هاتان الموجتان جميع أنحاء الكرة الأرضية إلّاأنّهما غير مسموعتين من قبل الناس العاديين ، والشخص الوحيد الذي يمكنه الاستماع هو الذي يستطيع تنظيم أمواج محطته مع الموجه الأولى إذ يمكنه عند ذاك الاستغراق في سماع النغمات الممتعة ، أمّا الذين ينظمون أمواج محطتهم مع الموجة الثانية فيلقون العذاب والشقاء وكان الفريق الأول في الجنّة والثاني في جهنّم ، وسنشرح هذا الكلام عمّا قريب بإذن اللَّه . وجاء في الآية الثالثة والأخيرة تعبير غني بخصوص عظمة الجنّة ، وظاهر الآية يُخاطب به الرسول صلى الله عليه وآله : « وَاذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيتَ نَعِيماً وَمُلكاً كَبِيراً » « 1 » . وطرحت في تفسير الملك الكبير آراء متعددة تبلورت بصورة رئيسية حول محورين : فقال جماعة : إنّ الملك الكبير إشارة إلى سعة وعظمة الجنّة وما فيها من قصور وغرف وحدائق ، ومن جملة ذلك ما ورد في أحد التفاسير : « إنّ أدناهم منزلة ينظر في ملكه من مسيرة الف عام ، وفي بعض الروايات لمسافة الفي سنة » « 2 » . واعتبره آخرون إشارة إلى العظمة المعنوية للجنّة والمقامات الرفيعة لأهلها ، ومن جملة ذلك : أنّ الملائكة لا يدخلون عليهم إلّابإذنٍ منهم ، ويؤدّون لهم التحية والسلام ، أو أنّ الفناء والزوال لا وجود له هناك ، أو أنّ لكل واحد منهم هناك سبعين باباً « 3 » . وفسّر جماعة آخرون « الملك » بمعنى الملكية ، والبعض الآخر قالوا إنّه يعني الحاكمية . وقال آخرون في تفسير « الملك الكبير » أنّه يعني « القرب إلى اللَّه والشهود المعنوي
--> ( 1 ) . « ثَمّ » هنا ظرف مكان . و « رأيت » فعل لازم ، وعلى هذا يكون معنى الآية : عندما تنظر هناك ترى نعمة كبيرةوملكاً عظيماً . وبناءً على التفسير الآخر يكون « رأيت » فعل متعدّ و « ثمّ » اسم إشارة للبعيد ومفعول به ، فيكون مفهوم الآية : ( إذا رأيت ذلك المكان رأيت نعيماً وملكاً كبيراً ) . ( 2 ) . تفسير روح الجنان ، ج 11 ، ص 352 ؛ وتفسير القرطبي ، ج 10 ، ص 3669 ؛ وتفسير المعاني ، ج 29 ، ص 161 ؛ وتفسير مجمع البيان ، ج 9 و 10 ، ص 411 . ( 3 ) . تفسير البرهان ، ج 4 ، ص 415 ؛ وتفسير مجمع البيان ، ج 9 و 10 ، ص 411 .